الأخوة الزملاء الأفاضل رغبت بالتعريف عن بعض مواضيع قانون الأحوال الشخصية السوري واخترت موضوع المهر كآثر من آثار الزواج لكنني لاحظت أنه مبتور كفرع من أصل فارتأيت أن أقدم قانون الأحوال الشخصية السوري بسلسلة مبسطة فلكي نتحدث عن المهر أو النفقة أو الطلاق والتفريق أو المخالعة يجب أن نبدأ بالأصل وهو عقد الزواج ذاته كي تكون الحلقة متكاملة وبالطبع سوف تتم مناقشة النصوص القانونية بعيداً عن الآراء الفقهية أو بالأحرى دون الدخول في تفاصيل الفقه وذلك لعدة أسباب أهمها أن قوانين الأحوال الشخصية بشكل خاص هي عصارة الآراء الفقهية ونتيجة لاجتماعها والانتقاء منها وثانياً أنه في حال الخلاف فالمطبق هو النص القانوني الجاهز وليس البحث بين كتب الفقه والانتقاء منها وفق إرادة المتقاضيين ومن باب التعريف فالقانون السوري للأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 95 لعام 1953 والمعدل بالقانون رقم 34 لعام 1975 وكذلك عدلت مادة الحضانة منه في عام 2003 قد استقى مصادره من خمس منابع هي :
1 ـ قانون حقوق العائلة الذي جرى عليه وتعارفه الناس وبنيت عليه الاجتهادات القضائية
2 ـ القوانين المصرية مع بعض التعديل بما يوافق المصلحة المحلية
3 ـ الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا
4 ـ ما رأت اللجنة الأخذ فيه بمذهب غير المذهب الحنفي وما وضعته في مواد التنظيم التي لا تنافي الحكم الشرعي
5 ـ مشروع الأحوال الشخصية لقاضي دمشق الشيخ علي الطنطاوي
وفي نهايته أشار لنقطة هامة وذلك في المادة 305 منه حيث ورد :
كل ما لم يرد عليه نص في هذا القانون يرجع فيه إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي
وأفرد في المادة 307 منه نصوص خاصة للطائفة الدرزية وفق مذهبها
ونص في المادة 308 على الواجب تطبيقه بالنسبة للطوائف المسيحية فيما يتفق و تشريعاتهم الدينية .
ومن خلال هذه الجولة بالتأكيد سيجد الزملاء الأفاضل من باقي الدول بعض الاختلافات مع تشريعاتهم مما قد يكون في بعض النصوص المتباينة الاختلاف ولا سيما بين مصر وسوريا موضع أبحاث مقارنة مع الزميل الفاضل وليد السقا من خلال سلسلة ضفاف بردى وأمواج النيل القانونية التي نقوم بتقديمها .
وأبدأ العرض حسب التوالي توخياً للغاية المرتجاة وهي ترابط الأفكار وتسلسلها .
عقد الزواج
عرفت المادة الأولى من قانون الأحوال الشخصية السوري الزواج بما يلي :
الزواج : عقد بين رجل وإمرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل .
واعتبر القانون في مادته الثانية أن الخطبة والوعد بالزواج وقراءة الفاتحة وقبض المهر وقبول الهدية لا تكون زواجاً
وأعطى الحق في مادته الثالثة بحق كل من الخاطب والمخطوبة بالعدول عن الخطبة
وفي مادته الرابعة ناقش حالة فسخ الخطبة حيث إذا عدل الخاطب وكان قد دفع المهر نقداً واشترت به المخطوبة أشياء ( تجهيزاً للزواج ) فهي بالخيار بين إعادة المهر إما نقداً أو تسليم الجهاز وإما إذا عدلت هي فهي ملزمة بإعادة مثل المهر أو قيمته
وإما الهدايا فتجري عليها أحكام الهبة
أركان عقد الزواج وشرائطه
نصت المادة الخامسة من قانون الأحوال الشخصية السوري على ركن الزواج بما يلي :
( ينعقد الزواج بإيجاب من أحد العاقدين وقبول من الاخر )
وفي المادة السادسة حددت أن هذا الإيجاب والقبول يكون بالألفاظ التي تفيد معناه لغة أو عرفا ً
مثالها : زوجت نفسي لك ــ زوجيني نفسك لي ـ كوني إمرأتي أو كن زوجي وما على ذلك ما ألفاظ يفهم منها بناء الحياة الزوجية بين الطرفين والقبول يكون صريحاً فقد قبل الفقه سكوت البكر ولكن القانون نص على صراحة القبول
وفي المادة السابعة أوجب القانون وجوب الكتابة بالإيجاب والقبول إذا كان أحد الطرفين غائباً عن مجلس العقد مثاله أن يعرض رجل الزواج على إمرأة كتابة وهو غير موجود فعليها هنا أن تقرأ النص على الشهود السامعين ومن ثم تقبل
ثم أجاز القانون التوكيل في عقد الزواج وليس للوكيل تزويج الموكلة من نفسه إلا إذا نص عقد الوكالة على ذلك
وفي حال تجاوز الوكيل لحدود وكالته يبقى كالفضولي تصرفه موقوف على الإجازة
وقد أجاز القانون في حال عجز أحد الأطراف عن النطق الإيجاب والقبول بالإشارة الواضحة أو بالكتابة
واشترط في الإيجاب والقبول :
1 ـ الاتفاق من كل وجه
2 ـ وحدة المجلس
3 ـ كل طرف سامع كلام الآخر وفاهماً أن المقصود به الزواج
4 ـ أن لا يوجد من أحد الطرفين قبل القبول ما يبطل الإيجاب ( زوال الأهلية أو الإعراض عن الموضوع ) كالجنون قبل القبول أو عقد زواج آخر يمنع الزواج الذي تم فيه الإيجاب كأن يعرض الرجل الزواج من إمرأة ثم يعقد على خالتها أو عمتها فهنا لا يمكن أن يصح الإيجاب للمخطوبة الأولى .
شــــــروط عقد الزواج :
أوضحت المادة 12 من قانون الأحوال الشخصية السوري شروط عقد الزواج بأنها :
حضور شاهدين رجلين أو رجل وإمرأتين مسلمين عاقلين بالغين سامعين الإيجاب والقبول فاهمين المقصود بهما )
وكما اشترط في المادة 15 منه الأهلية لكلا العاقدين حيث حدد هذه الأهلية للزواج في المادة 16 منه بما يلي :
تكمل أهلية الزواج في الفتى بتمام الثامنة عشر وفي الفتاة بتمام السابعة عشر
لكنه أعطى القاضي بعض الحالات التي يجيز له فيها التزويج أو يمنع ومنها :
الإذن بزواج المجنون أو المعتوه إذا ثبت بتقرير هيئة من الأطباء أن زواجه يفيد شفائه
عدم الإذن بزواج المتزوج إلا إذا كان لديه مسوغ شرعي وكان قادراً على النفقة
والإذن بزواج المراهق إذا ادعى البلوغ بعد الخامسة عشر والفتاة بعد إكمال الثالثة عشر إذا تبين له صدق دعواهما ومع اشتراط موافقة الولي إن كان الأب أو الجد
وله منع الإذن في حال عدم تناسبهما سناً ( ودرج القضاء على الفرق المذكور خمسة عشر سنة فأكثر وعند الإصرار على العقد ينظم ضبط بذلك مع رأي الولي
وعالج القانون السوري مسألة العضل وهي امتناع الولي عن تزويج الفتاة بدون مبرر شرعي فهنا نصت المادة 20 من القانون أن :
( الكبيرة التي أتمت السابعة عشر إذا أرادت الزواج يطلب القاضي من وليها بيان رأيه خلال مدة يحددها له فإذا لم يعترض أو كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار يأذن القاضي بزواجها بشرط الكفاءة )
فبهذا النص وضع حلاً لمشكلة العضل وتعطيل زواج الفتاة دون مسوغ شرعي حيث يستوضح القاضي من الولي عن سبب الاعتراض فإن كان منطقياً ويتفق مع الشرع منع الزواج وإن كان غير مبرر أذن به ولا يشترط أن يجمع الطرفين معاً ( البنت والولي ) لحساسية الموضوع ولكن القاضي لا يكون متساهل في تحديد المهر وفي حفظ حقوق الزوجة
شرط الولاية في الزواج :
الولي : هو العصبة بنفسه على ترتيب الإرث بشرط أن يكون محرم ويشترط فيه العقل والبلوغ
والقاضي ولي من ولي له
شرط الكفاءة :
نصت المادة 26 في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفؤاً للمرأة
والكفاءة تقدر حسب أعراف البلد وهي حق للمرأة والولي
وإذا زوجت الكبيرة نفسها دون موافقة الولي وكان الزوج كفؤاً لزم العقد و إلا للولي طلب الفسخ ما لم تحمل المرأة فعندها يسقط حقه حفظاً لنسب الطفل القادم
والكفاءة تقدر عند العقد فلا يؤثر زوالها بعد ذلك
(( المحارم من النساء ))
تقسم الحرمات لمؤبدة ومؤقتة :
1 ـ الحرمات المؤبدة :
نصت المادة 33 على :
( يحرم على الشخص أصوله وفروعه وفروع أبويه والطبقة الأولى من فروع أجداده )
فالأصول المحرمين حرمة أدبية هم الأب والأم والجد وإن علا والجدة و إن علت والفروع : الابن والبنت والأحفاد وإن نزلوا وفروع الأبوين وهم الأخوة والأخوات وأخواتهم والطبقة الأولى من الأجداد وهم الأعمام والعمات والأخوال والخالات ويجوز الزواج بالطبقة الثانية أي بأبنائهم
وحرمت المادة 34 على الرجل :
أ ـ زوجة أصله او فرعه وموطؤة أحدهما
2 ـ أصل موطوءته وفروعها واصل زوجته .
ملاحظة : المقصود بالوطء : العلاقة الجنسية حلالاً أم حرماً فمثلاً إن ثبت التزاني بحجكم أو غقرار قامت الحرمة قانوناً وإن لم يعترف بها أحد وبقيت طي الكتمان فأمرها متروك للدين و الورع .
والمادة 35 نصت على :
أ ـ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إلا ما قرر فقهاء الحنفية استثنائه
2 ـ يشترط للرضاع في التحريم أن يكون في العامين الأولين وأن يبلغ خمس رضعات متفرقات يكتفي الرضيع في كل منها قل مقدارها أو كثر .
وهذا النص مأخوذ من الفقهين الحنفي والشافعي
2 ـ الحرمات المؤقتة :
وهي التي تحرم الزواج لعارض أو سبب ما وبزواله تعود الإباحة ووردت في المواد من 36 ولغاية 39 وهي :
1 ـ لا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة طلقها ثلاث مرات إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر دخل بها فعلا .
وبالطبع يتحايل الناس على هذا النص الشرعي بعقد زواج مؤقت وما تعارف العوام على تسمية هذا الزوج بالمحلل وقد سماه الرسول الكريم باسمه وهو / التيس المستعار / ولعن مثل هذا الزواج لصفة أهمها التوقيت وهو ما ينافي غاية عقد الزواج الذي صفته الرئيسة نية الديمومة وإنشاء الحياة الكريمة المستمرة
2 ـ زواج المطلقة من آخر يهدم طلقات الزوج السابق ولو كانت دون الثلاث فإذا عادت إليه يملك عليها ثلاثاً جديدة .
3 ـ لا يجوز أن يتزوج الرجل خامسة حتى يطلق إحدى زوجاته الأربع وتنقضي عدتها حيث له أن يرجعها خلال العدة قولاً أو فعلاً وتكون ما تزال بعصمته
4 ـ لا يجوز التزوج بزوجة آخر ولا بمعتدته
5 ـ لا يجوز الجمع بين امرأتين لو فرضت كل منهما ذكراً حرمت عليه الأخرى فإن ثبت الحل على أحد الفرضين جاز الجمع بينهما .فلا يحوز الجمع بين المرأة وعمتها أو أختها أو خالتها
ونتوقف عند هذه النصوص في هذا الجزء وبعد مناقشتها ـ أعود لمتابعة الجولة .