قواعد بلاغية لصياغة قانونية
البلاغة والحنكة من صفات المحامي الناجح الذي يتمكن من صياغة كلامه ومذكراته وكتاباته بإحكام، وكذا الحال بالنسبة للقاضي المتمكن الذي يصوغ أحكامه وقراراته ويسببها بحنكة واقتدار..
الذي دفعني لكتابة هذا الموضوع أنني كلفت بمهمة تطلبت مني قراءة جميع ما نشرته وزارة العدل من أحكام نهائية صدرت عن المحاكم العامة السعودية فوجدت فيما قرأت ما وجدت من كتابات لقضاة مختلفين في درجات العلم والثقافة والفقه والأسلوب في صياغة الأحكام والقرارات وتسبيبها ، فمنهم من يمتعك بحسن الصياغة وسرد الوقائع والحيثيات والتسبيب الذي يقنعك بحكمه دون أدنى ريبة أو شك ويقودك إلى نتيجة لا تترك لقضاة التمييز ثغرة لإرجاع حكمه
علي
ه لإعادة النظر،ومنهم عكس ذلك تماماً لا يكاد يخلوا أي سطر في حكمه من ملاحظة..
- لكل مقام مقال..
من البلاغة والحنكة والتمكن أن يقول الإنسان الكلام المناسب في المقام المناسب:
فقد قيل لبشار بن برد الشاعر المخضرم الذي عاش في نهاية العهد الأموي وبداية العهد العباسي- وقد انشد أكثر من اثني عشر ألف قصيدة- : عجباً كيف تكون أنت من قال هذين البيتين :
|
ربابة ربة ُ البيت
|
تصب الخل في الزيت
|
|
لها عشر دجاجاتٍ
|
وديك حسن الصوت
|
وتقول في موضع آخر:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا .. وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وقد استهزأ منه البعض لأنهم يرون أن مستوى القصيد في الحالتين بعيد ، فأجاب بما معناه بأن لكل مقام مقال ، فهذه جارية أسعدها قولي عنها ربابة ربة البيت .. الخ ولا تأبه بقول القائل:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل .. بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
فالقول المناسب في المقام المناسب يؤدي إلى صياغة محكمة بعيدة عن الإسهاب المخل وتشتيت ذهن المتلقي ، بل و يثبت المعلومة لديه.
فالمشرع عند وضعه لمواد القانون يجعل حداً أعلى وآخر أدنى يمكن القاضي من تقدير كل حالة على حدة وتطبيق الحكم المناسب لكل حالة..
كما أن القاضي عند تطبيق مواد القانون في قضايا متشابهة لابد أن يراعي الظروف المشددة والظروف المخففة لكل حالة، وإن لم يفعل لكانت أحكامه جائرة وبعيدة عن العدالة..
والمحامي الذي يستطيع فهم قضية موكله فهماً صحيحاً يستطيع إقناع القاضي بحسن صياغته وبيانه ما لموكله من أعذار وظروف تناسب المقام الذي حدثت فيه وقائع القضية فيحصل على حكم عادل لموكله..
وبنفس التقدير يتوقف نجاح وكيل المدعي العام بحسن صياغته لظروف القضية في إقناع القاضي بتأكيد ما يدعي به والحصول على أفضل نتيجة..
هذا سرد موجز عن قاعدة بلاغية إن حسن استخدامها وتوظيفها لحصل مستخدمها على نجاح في قضيته ، وسيتبعها بإذن الله قواعد أخرى لتعم الفائدة ..
وبالله التوفيق،،