جدارية العشاق
شاهدت شابا غريبا يدخل الي الحي الذى نسكن فيه , يمشي علي استحياء , غاضا لبصره , واضح عليه أنه متربي بطريقة محترمه , ملبسه ينم عن ذوق في اختيار الالوان , وعن ثرائه في نوع مايلبس , يتلصص النظر لكن ليس بطرقة اللصوص ولكن بطريقة السائح الذى دخل منطقة هي غريبه عنه وعن المكان الذى يعيش فيه . لكن ايضا من الواضح بانه علي درجة من الخلق الرفيع , لذلك أحببت ان ارفع عنه الحرج واحادثه حتي يشعر بانه ليس غريبا وانه مرحب به .
فسألته السلام فأجاب بكل ود وترحاب سلاما بسلام , ثم طلب ان يسمح لي بطرح حاجته , اعتقدت بانه ربما جاء خاطبا او مستفسرا عن فتاة اعجتبه , او عن احوال شاب بعينه واسرته تقدمت لخطبة شقيقتة او هو مكلف من اسرة احد اقربائة للسؤال عن سلوكيات واسرة هذا الشخص.
لكنه قال ياسيدى أتمني أن أسال سؤالا علي شرط الا تهزأ بي -اين جدارية العاشقين الذي يتحدث عنها الجميع والتي ينسجون عنها وحولها اجمل الحكايات .
وما أثير حولها من ادبيات , وقصص ., وحكايات , فتبسمت وقلت له يابني لست الاول ولن تكون الاخير في سؤالك, وواجب علي ان اجيبك .
ودعوته الي فنجان من الشاى علي احدى الكافتيريات المنتشرة بالمنطقة , وقلت له يابني سوف ابدأ معك من البداية .
كان في سالف العصر والاوان – قبل ظهور الموبايلات , والرنات , وتبادل الاميلات , طريقة اخرى للتعارف ولنبادل المشاعر والافكار تسمي اجمل النظرات .
كان في هذا الحي وكما ترى بانه لديه بعض الخصوصية ومحصورا في اضيق الحدود والكل يعرف بعضه البعض , وحتي الغريب الذى يدخله يصبح معروفا للاخرين من اول نظرة . المهم منذ زمن بعيد كان هناك احد الفتيان ينظر الي احدى الفتيات نظرة اعجاب , صباح كل يوم وهي ذاهبه الي المدرسه – هي جميله بسيطة , مؤدبه , تمشي علي استحياء لكنها كانت تأسر قلب كل من يراها ممن في عمرها , لكن هذا الشاب لم ينبت ببنت شفة ولم يجرح شعورها او يتحرش بها لا قولا ولا فعلا , بل هي نظرة خاطفة , وكانت هي وبطرف عينهيا ودلالها كانت تشعر بها وتخترق فؤادها . , وتشجع يوما أثناء مرورها وكان هناك جدار كبير , لا نعرف طبيعة المنشأت التي بالداخل – لكنه كان مبني اهليا وليس عسكريا , فرأى هذا الشاب ان يمسك بالفرشاة ويرسم عليه قلبا ويكتب بداخله احبك . ثم مر يوما بعد يوم ليجد بداخل القلب كلمة مضافه تقول وانا كمان , احمرت وجنتاه ربما خجلا وربما طربا وسعادة , واراد التاكد من ذلك فأنتظرها عند رجوعها من المدرسة ليرى ابتسامه عريضة ونظرة حانية توجه اليه مباشرة وايماء من الراس بالموافقه علي دعوته بالحب بنظرة صامته طويله معبرة وضعت فيها كل مشاعرها الصغيرة النبيله . بدأ بعض الفتيه الصغار التقليد والاقتباس من الطرح الجميل للمشاعر دون التعرض المباشر لاى فتاه وكانت كل فتاه تعرف معني الرسم او الرمز او الوشم المرسوم علي الحائط , ومن صاحبه ومن صاحبته . والكل سعيد بهذا – لاحظ كبار الحي تلك الظاهره المحترمه , واكبروها في نفوس ابنائهم , ثم بدأت يظهر نوعا اخر من الرسوم الخادشة للحياء , وبعض الكلمات البذئية وهكذا انتشر الشر الي جانب الخير . وحتي لاتنشب حربا بين ابناء الحي واى احياء مجاورة , قام اهل الحمي باعادة طلاء هذا الجدار من جديد بصورة جميله .
لكن أين التراث الجميل الذى كام موجودا في اول رسالة حب علي هذه الجدارية , وما مصير اصحابها , كل ذلك كان ماضيا , لكنها كانت اطلالا وذكرى للجميع , كان لا بد من قيام اهل الحي بمزيد من المراقبة والحماية لهذا الجدار من الالفاظ الخادشة للحياء , او رسومات مضلله , او اعلانات ورقيه تشوه الصورة الجماليه لتلك المنطقة , كان الكل ينتظر تصرف فردى وفائد يخط اول رسم بريشته ويكون اول كلمة بحروفة .
وكانت البدايه في رجل عجوز شيخ هرم أن امسك بريشته ويدة ترتعش ليكتب علي بداية الجدار , اسماء كل شهدا الحي في الحروب السابقه تحت عنوان – لن ننساكم ابدا. ثم قام رجل اخر كبير في العمر ايضا وكأنه يوم العواجيز العالمي ليمسك بالريشة ويكتب عبارة جميله , احببتك وأنتي علي قيد الحياة , واعيش علي ذكراكي بعد مماتك سوف اظل علي العهد الي يوم مماتي . فكان هذا المكان هو المخصص لعيد الحب والوفاء , وكل من فقد زوجته او ارمله امسكت لتكتب مايحلو لها وترسم ماتشاء .دون خجل في ابداء المشاعر النبيله ولحظة الوفاء النادرة . ثم اتي طفل صغير وامسك بالريشة وكتب امي قالوا انكي في السماء – لكني احس بانكي حولي تساعديني علي النمو والحياة , وقام كل صبي من الايتام ليكتب كلمة لامه , وكتب علي هذا الركن عيد الام , ثم بعد ذلك ذهب الخجل عن المحبين والعاشقين – فكتب احدهم هنا ركن العاشقين والمحبيين , لا خجل طالما ان العبارات تصاغ بطريقة ادبيه رائعه ومحتشمه وباعتراف مقصدها النبل الكريم , والغايه الشريفه , هكذا اكتمل للجدار كل مظاهر الحب واصبح العنوان الرئيسي لها جدارية العاشقين . لدرجة انها اصبحت مزارا للاحياء الاخرى , بل وفي نفس الوقت اصبحت كسوق عكاظ يحتفل به الناس والاهل في ذكرى الحروب , وعيد الحب , وعيد الام . وحفلات الزواج , كانت كلها تبدأ في التواريخ والمناسبات المحددة بالتواريخ . لكن حالات ازواج وافراحها كانت شبه يومية , سوق جميل يلتقي فيه الاهل والجيران والاحباب علي كلمات الحب ومشاعر الحب , ونهج الحب , وذاب الحقد والحسد والكراهيه في ظل هذا الحب المتدفق بين أبناء هذا الحي, والذى اصبح قدوة للاحياء الاخرى .
قال الشاب – ياسيدى استبد بي الشوق لارى تلك الجدارية , اين هي ياسيدى جدارية العشاق او العاشقين . اتمني ان اراها , ان اأعيشها لو للحظات , كم هو جميل ان يرى الانسان هذا الكم من الحب والوفاء ,
فقلت له يابني - رفقا بنفسك وحنانيك _ هذه الجدارية ليست موجودة الان , لقد قام صاحب الجدار بهدمه وأنشأ مكان هذه الارض ناطحة سحاب كما ترى .
غضب الشاب وندم علي تلك الرحله التي باءت بالفشل دون تحقق المراد , ورأيت الخيبه بداخله والاحباط يتملكه , واليأس يعانقه ,
قلت له يابني لا تحزن لو نظرت بداخلك ولو نظر كل من بداخله نظرة صادقة غير متعاليه , نظرة تؤمن بان الحب هو الحياه فسوف تجد بداخلك وسوف يجد كل منا بداخله جدارية العاشقين .
سامي عبد الجيد احمد فرج
Grand_father51@hotmail.com